خليل الصفدي
372
أعيان العصر وأعوان النصر
على طريق من سلف ، ينهى عن المنكر ويأمر بالمعروف ، ويبالغ في ذلك وهو به موصوف ، ووثب مرة على العلامة ابن تيمية « 1 » ، وأنكر عليه أمورا ، واللّه أعلم بالنية ، وأنكر على الدولة أمرا ، لم يجد من يساعده ، وتولى ذلك أجانبه وأباعده ، فرسم السلطان بقطع لسانه ، وكاد الأمر ينفصل في شانه ، ولولا صدر الدين بن الوكيل صدر هذا الأمر إلى الخارج ، وألقي النور من النار في مارج ، فتلطّف له مع السلطان ، فرسم بنفيه من القاهرة ، وعدت هذه المنقبة لابن الوكيل في الأمثال السائرة . ولم يزل البكري على حاله ، إلى أن بكرت عليه مغيرة المنايا ، وأصابت حبة قلبه منها بنات الحنايا ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في يوم الاثنين السابع من شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبع مائة . ومولده سنة ثلاث وسبعين وستمائة . وكان له تواليف ، ولما استعيرت البسط والقناديل من جامع عمرو بن العاص بمصر لبعض كنائس النصارى في يوم من أعيادهم ، ونسب هذا الأمر إلى القاضي كريم الدين الكبير ، وفعل ما فعل ، طلع البكري إلى السلطان ، وكلمه في ذلك ، وأغلظ له القول « 2 » ، وكاد ذلك يحوز على السلطان ، لو لم يحل بعض القضاة الحاضرين عليه ، وقال : ما قصر الشيخ كالمستهزئ به ، فحينئذ أغلظ السلطان في القول للبكري ، فخارت قواه ، وضعف ووهن ، فازداد تأنيب بعض الحاضرين عليه ، فأمر السلطان بقطع لسانه ، فجاء الخبر إلى الشيخ صدر الدين ، وهو في زاوية السعودي ، فركب حمارا ، وصعد إلى القلعة فرأى البكري ، وقد أخذ ؛ ليمضي فيه ما أمر به ، فلم يملك دموعه أن تساقطت ، وفاضت على خده وبلّت لحيته ، فاستمهل الشرطة عليه ، ثم إنه صعد الإيوان والسلطان جالس فيه ، فتقدّم إليه بغير إذن ، وهو باك ، فقال له السلطان : خير يا صدر الدين ! فزاد بكاؤه ونحيبه ، فلم يزل السلطان يرفق به ، ويقول : خير يا صدر الدين ! إلى أن قدر على الكلام ، فقال له : هذا البكري من العملاء الصلحاء يرفق به ، وما أنكر إلا في موضع الإنكار ، ولكنه لم يحسن التلطّف ، فقال السلطان : إي ، واللّه أنا أعرف هذا إلا حطبة ، ثم انفتح الكلام ، ولم يزل صدر الدين يلاطف السلطان ويرققه ، حتى قال له : خذه ، وروح إلا أنه يخرج من
--> ( 1 ) أورد له المصنف ترجمة في مواضعها . ( 2 ) فسمعه السلطان وهو يخطب بين يديه : « أفضل الإيمان كلمة الحق عند سلطان جائر » فقال السلطان : أنا جائر ؟ فأجاب : نعم ، أنت سلطت الأقباط على المسلمين فطرده وأمر بقطع لسانه . ثم عفى عنه واكتفى بنفيه من القاهرة ، فخرج إلى ديروط ( بالصعيد ) . ( انظر : البداية والنهاية : 14 / 114 ، وحسن المحاضرة : 1 / 239 ) .